نخبة من الأكاديميين

753

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الخصائص المصريّة ، الجغرافيّة ( خط العرض وخط الطول ، ومعطيات الأحوال الجويّة ) ، والظرفيّة ( وجود هذا المرقَب أو ذاك في مرصد العبّاسيّة ) وخاصّة الاجتماعيّة . فيبدو أنّ المؤلِّف استجاب للمتطلّبات العمليّة الملحّة التي تهمّ الأوساط التقليديّة . فلم يكتفِ في القسم المكرّس للمزاول الشمسيّة ، مثلًا ، بعرض مبدأ هذه الأدوات ؛ بل قام بتوضيح رسم مختلف أنواع المزاول ( الأفقيّة ، والمنحدرة ، إلخ ) ، وذلك بواسطة جداول ومعطيات أُعطيت كلّها بالنسبة إلى إحداثيّات القاهرة ؛ كما قام بتحديد " الساعات العربيّة " ( التي تبدأ وتنتهي عند الغروب ) ، وبتحديد وجهة " القِبلة " بواسطة مزولة عموديّة منحدرة ، أو بعرض مختلف الاستخدامات التقليديّة الأخرى للمزاول . وكانت إرادة وضع تطوّر العلوم في مصر في سياق تواصلٍ تاريخي ، قد جرى التعبير عنها نفسها قبل عدّة عقود ، عند تشكيل لغة علميّة وتقنيّة . وبدءاً من السنوات 1870 ، ظلّ هذا الاهتمام بالتقرّب إلى الوسط التقليدي وإلى الأدوات التقليديّة وإلى الفئات التقليديّة ، قائماً . ويبدو لنا أنّ المقصود من ذلك ، كان إعادة إعطاءِ العلوم ، أكانت من أصل أوروبي أو لم تكن ، الشرعيّةً التي عليها أن تدّعيها ؛ وذلك يتمّ أوّلًا عِبر رَبط المعارف الجديدة بالقديمة ؛ ويتمّ ثانياً بإثبات أنّ العلوم ، فضلًا عن منفعتها وحسناتها العمليّة ، تؤلّف جزءاً من القيَم الثابتة للحضارة الإسلاميّة . بهذا الشأن ، كانت مجلّة " روضة المدارس " مجلّةَ تعميمٍ للعلوم بكلّ ما للكلمة من معنى ، حيث توجّهت إلى جمهورٍ أعرض بكثير من الجمهور المُقتصِر على تلامذة المدارس . وكمثال على إرادة إظهار تواصل العلوم الحديثة مع التقليديّة ، نأخذ مقالة قصيرة ، نُشِرت ككتيّبٍ ملحقٍ بالمجلّة ، في عددها المؤرَّخ بتاريخ 15 ربيع الأوّل 1293 ( 10 نيسان 1876 ) . في هذه المقالة يتوجّه عبد الله فكري ، بما لا يقبل الجدل ، إلى الأوساط التقليديّة لِيبرهن أنّ الصفات الرئيسيّة لعِلم الكون الحديث ( وخاصّةً شكل الأرض وحركتها ) ، لا تتعارض البتّة مع النصوص المُنزَلة . وقد تجاوز نشرُ هذا الكتيّب ، إلى حدّ بعيد ، الإطار الضيّق للمدارس المختصّة ( مع العلم بأنّ الذريعة في تأليفه شكّلها مؤلَّفٌ في الجغرافيا كانت قد نشرته حديثاً مطبعة وادي النيل ) . ولهذه الغاية ، أخرج عبد الله فكري حواراً بين " فقيه " وبين مناصر ل - " علم الكون الجديد " ، ولجأ إلى مواقف كتّاب لامعين مثل الغزالي ، والرازي وابن خلدون ، إلخ « 1 » . إنّ همّ نقل المعارف العلميّة ، المصحوب غالباً بإرادة وضع شرعيّتها وشرعيّة القِيَم التي تنقلُها على الخط المستقيم لتقليدٍ ، سعى العلميّون إلى إعادة الوَصْلِ معه ، لم ينته بانتهاء " روضة المدارس " في العام 1877 . فلقد شهدت السنوات 1880 و 1890 انطلاق مجلّات أخرى للتعميم العلميّ وتأسيسَ مدارس ابتدائيّة وشعبيّة تابعة لجمعيّات مثل " جمعيّة التعليم المصريّة " أو " الجمعيّة الخيريّة الإسلاميّة " ، عاد وبرز فيها الناشطون فيها أنفسهم مثل إبراهيم مصطفى أو يعقوب صرّوف وفارس نمر ، مؤسِّسَيْ مجلّة " المقتطف " « 2 » .

--> ( 1 ) - فكري ، " رسالة " . ( 2 ) - علي ، " دور التعليم الرسمي " ، ص 44 - 46 .